سلطة بلا قرار… وطن بلا نجاة
د. زهير علامة
بين سلطة تُجيد الانتظار ووطنٍ لم يعد يحتمل التأجيل تضيع الفرص ويقترب البلد من لحظة يُكتب فيها مصيره خارج إرادته.
لم يعد في لبنان متّسع للترف السياسي.
ولا للعبارات المنمّقة.
ولا لذلك النوع من الخطاب الذي يُخفي العجز خلف البلاغة.
البلد يقف اليوم عند مفترق لا يشبه ما قبله.
ليس أزمة جديدة تُضاف إلى سجل الأزمات، بل لحظة فاصلة: إمّا قرار يُنقذ ما تبقّى، أو انزلاق كامل نحو واقع يُفرض على لبنان فرضاً.
ورغم وضوح المشهد، لا تزال السلطة تتصرّف كأن الوقت حليفها.
تؤجّل، تساوم، تدور حول نفسها، وتُعيد إنتاج اللغة نفسها التي أوصلت البلد إلى هنا: الكثير من الكلام، القليل من الفعل، وانعدام شبه كامل للقرارات القابلة للتنفيذ.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة:
لقد أُهدرت فرص ثمينة.
فرص سياسية ووطنية، داخلية وخارجية، كان يمكن أن تشكّل نقطة تحوّل. لكنّها سقطت واحدة تلو الأخرى، لأن القرار لم يُتخذ، ولأن الجرأة غابت، ولأن الحسابات الضيقة انتصرت على مصلحة الدولة.
في كل مراكز القرار، الصورة لم تعد قابلة للتجميل.
الدولة تفقد تدريجياً قدرتها على الإمساك بزمام الأمور، والوقائع تتقدّم على السياسة، والبلد يُدفع بهدوء خطير نحو لحظة قد يجد نفسه فيها مضطراً إلى القبول بما يُملى عليه، لا بما يختاره لنفسه.
وهنا يبدأ السقوط الحقيقي.
ليس فقط سقوط التوازنات، بل سقوط فكرة الدولة نفسها:
حين يصبح القرار مؤجلاً دائماً،
والحسم مؤجلاً دائماً،
والمواجهة مؤجّلة دائماً،
فإن الفراغ لا يبقى فراغاً… بل يُملأ، عاجلاً أم آجلاً، بقوى أخرى، وبشروط أخرى، وبوقائع لا يمكن التراجع عنها.
ما يحكم لبنان اليوم ليس غياب الحلول فقط،
بل هيمنة عقلية كاملة:
عقلية الترقيع.
ترقيع في السياسة،
ترقيع في الأمن،
ترقيع في الاقتصاد،
وترقيع في السيادة نفسها.
كل شيء مؤقت،
كل شيء قابل للتأجيل،
وكل شيء يُدار على قاعدة “تمرير الوقت” بدل صناعة القرار.
لكن الوقت، في لحظات كهذه، ليس حيادياً.
الوقت يعمل ضد الدول المترددة.
والتأجيل ليس استراحة… بل استنزاف.
وهنا، لا يعود السؤال عن قدرة الدولة،
بل عن إرادتها.
هل هناك قرار فعلي بالإنقاذ؟
أم أننا أمام سلطة اختارت، بوعي أو من دونه، إدارة الانهيار بدل منعه؟
لأن الوقائع تقول إن المنصب العام لم يعد مسؤولية،
بل تحوّل، في كثير من الأحيان، إلى وسيلة بقاء.
وإن السلطة لم تعد أداة إنقاذ،
بل مساحة لتقاطع المصالح والخوف والتردد.
وفي هذه المساحة الرمادية، يضيع كل شيء:
تضيع السيادة،
يتآكل القرار،
ويُترك المواطن وحيداً في مواجهة مصير لا يملك التأثير فيه.
غير أن أخطر ما في هذه المرحلة،
ليس ما يحدث فقط،
بل ما يمكن أن يحدث إذا استمر هذا النهج.
أن يصل لبنان إلى لحظة يُفرض عليه فيها التفاوض من موقع الضعف،
بعد أن تكون الأرض قد تغيّرت،
والتوازنات قد اختلّت،
والقرار قد خرج من يده.
عندها، لا تعود المشكلة في الخيارات…
بل في غيابها.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى توصيف جديد للأزمة.
ولا إلى بيانات مطوّلة.
ولا إلى مزيد من التبريرات.
يحتاج إلى قرار.
قرار واضح، صريح، قابل للتنفيذ.
قرار يضع حدّاً لهذا التردد المزمن،
ويعيد للدولة معناها، وللسلطة وظيفتها، وللسيادة مضمونها.
نحتاج إلى من يقول: كفى.
لا بالخطاب، بل بالفعل.
لا بالمناورة، بل بالموقف.
لا بالرمادي، بل بالأبيض أو الأسود.
لأن الأوطان لا تُحكم في المنطقة الرمادية.
ولا تُحمى بالتردد.
ولا تُنقذها الحسابات الصغيرة حين تكون على حافة السقوط.
لبنان اليوم ليس أمام رفاهية الاختيار بين خيارات جيدة.
بل أمام ضرورة الاختيار… قبل أن يفقد حق الاختيار نفسه.
وعندها،
لن ينفع الندم.



