سجلوا عندكم

من عمادة الآداب إلى ركام حانين: حين هزم كتاب خليل أبو جهجه الحرب

Views: 157

فاروق غانم خداج

هناك أساتذة لا يغادرون ذاكرة طلابهم حين تنتهي سنوات الدراسة، لأنهم لا يتركون فيها معلومات فقط، بل يتركون أثرًا إنسانيًا عميقًا. يبقى حضورهم مرتبطًا بطريقة حديثهم، وبأسلوب تعاملهم، وبذلك الشعور الذي يمنحونه للطالب بأنه ليس مجرد اسم في لائحة جامعية، بل إنسان يبحث عن المعرفة وعن معنى وجوده.

هكذا بقي الدكتور خليل ذياب أبو جهجه في ذاكرتي: أستاذًا وناقدًا وباحثًا، وقبل ذلك كله إنسانًا حمل صفات المربي الذي يرى في التعليم رسالة تتجاوز حدود الوظيفة واللقب.

عرفته طالبًا في قسم اللغة العربية في الجامعة اللبنانية، وعرفته أيضًا في رحاب عمادة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، حيث جمع حضوره بين وقار المسؤول الأكاديمي ودفء الإنسان القريب. لم يكن يضع مسافة جامدة بين الأستاذ والطالب، بل كان يجعل من الحوار مساحة مشتركة، ومن الجامعة فضاءً للفكر والتفاعل.

 

وفي موقعه عميدًا لكلية الآداب، لم يكن مجرد مسؤول يدير الشؤون الإدارية من خلف مكتب؛ كان حاضرًا في تفاصيل الحياة الجامعية، يصغي إلى الطلاب، ويفتح أمامهم أبواب النقاش، كما لو أن العمادة امتداد لقاعة الدرس.

كانت مسيرته الأكاديمية، كما عرفتها من موقعي كأحد طلابه، مسيرة رجل جمع بين هيبة الموقع وتواضع الباحث الحقيقي. لم يستخدم لقبه العلمي حاجزًا بينه وبين الآخرين، بل جعل من خبرته في النقد الأدبي وسيلة لتحفيز طلابه على التفكير وبناء رؤيتهم الخاصة للنصوص.

كان يؤمن بأن الأدب ليس مادة تحفظ في الكتب، بل طريق لفهم الإنسان وأسئلته الكبرى، ولذلك لم يكن يعلّم النص فقط، بل كان يعلّم كيفية النظر إليه.

 

ولد الدكتور خليل ذياب أبو جهجه في بلدة حانين الجنوبية في قضاء بنت جبيل، وهي بلدة تختزن ذاكرة الجنوب اللبناني بما فيها من ارتباط بالأرض والصمود أمام التحولات القاسية. من هذه البيئة خرج رجل اختار الكتاب طريقًا، وجعل من الأدب نافذة لفهم الإنسان والكون.

تخصص في اللغة العربية وآدابها، وانصرف إلى النقد الأدبي والأدب الحديث، فكان من الأكاديميين الذين سعوا إلى قراءة النصوص بعمق، بعيدًا عن الأحكام السريعة، بحثًا عن البنية الفكرية والجمالية التي تقف خلف العمل الأدبي.

تابع دراساته العليا في جامعة القديس يوسف في بيروت، وأنجز أطروحته حول “الرؤية الكونية في أدب ميخائيل نعيمه” بإشراف الدكتور متري سليم بولس؛ وهي دراسة تعكس اهتمامه بأديب لم يرَ الكتابة صناعة لغوية فقط، بل رؤية شاملة للحياة والوجود.

فميخائيل نعيمه جعل من الأدب بحثًا عن موقع الإنسان في هذا الكون، ومن الكتابة طريقًا إلى الحكمة. ومن هنا جاءت أهمية قراءة الدكتور أبو جهجه، لأنها لم تكتفِ بجماليات النص، بل بحثت في الرؤية الفكرية العميقة التي تحكم تجربة نعيمه.

وقد وجدت نفسي، كأحد طلابه، قريبًا من هذا الاتجاه النقدي، ولا سيما المنهج البنيوي التكويني عند الناقد الروماني لوسيان غولدمان؛ ذلك المنهج الذي لا ينظر إلى النص بوصفه بناءً لغويًا منفصلًا، بل يربطه بالرؤية الفكرية والاجتماعية التي أنتجته.

كان هذا المنهج قريبًا مني لأنه غيّر طريقتي في قراءة الأدب. لم يعد النص مجموعة من الصور والتراكيب فقط، بل أصبح تعبيرًا عن وعي صاحبه، وعن علاقته بواقعه، وعن الأسئلة التي يحملها الإنسان في مواجهة الزمن. وهنا أدركت قيمة محاضرات الدكتور أبو جهجه التي فتحت أمامي آفاقًا جديدة في الفهم والتأمل.

ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن الرجل الذي أمضى سنواته في دراسة رؤية نعيمه للكون وجد كتابه نفسه بعد عقود يقف أمام اختبار آخر للمعنى: اختبار الحرب.

فالحرب التي طالت الجنوب اللبناني لم تُبقِ حانين بمنأى عنها، وحملت معها صورة مختلفة للدكتور أبو جهجه؛ لا في الجامعة هذه المرة، بل في بيته المهدّم. شاهدت صور مكتبته متناثرة بين الركام بعد القصف، ورأيت الكتب التي رافقته في رحلة العمر مبعثرة بين الحجارة والغبار.

كان المشهد مؤلمًا، لكنه حمل رمزًا يتجاوز الخراب.

بين الركام ظهر كتابه “الرؤية الكونية في أدب ميخائيل نعيمه” وكأنه يعلن حضوره من قلب الغياب.

يا لها من صورة تختصر حكاية المثقف في بلادنا!

كتاب يبحث عن الكون والمعنى يقف فوق أنقاض عالم صغير.

 

كتابٌ كُتب في هدوء البحث العلمي، عن رؤية تتجاوز الفناء، يقف اليوم شاهدًا على قدرة الفكرة على البقاء حين تتهاوى الأشياء من حولها.

لم تكن مكتبة الدكتور أبو جهجه مجرد رفوف تحمل كتبًا، بل كانت ذاكرة عمر كامل من القراءة والتعليم والتأمل. وحين انهارت الجدران التي كانت تحميها، بقي معناها حاضرًا، لأن قيمة الكتاب لا تكمن في مكانه فقط، بل في الأثر الذي يتركه في الإنسان.

لقد أرادت الحرب أن تهدم بيتًا، لكنها كشفت قيمة ما كان يسكن داخله. كشفت أن أثر المثقف لا يرتبط بما يملكه من جدران ورفوف، بل بما يتركه في العقول التي عرفته وفي الكتب التي حملت صوته.

حين أتذكر الدكتور أبو جهجه، أتذكر الأستاذ الذي منحني العلم والإنسانية معًا، وأتذكر أن أجمل ما يتركه المعلم في طلابه ليس معلومة عابرة، بل طريقة جديدة في رؤية النص والحياة.

وهكذا بقي كتاب خليل أبو جهجه فوق ركام حانين أكثر من أثر بين الحجارة؛ بقي شهادة على أن ما يُبنى في العقل والروح لا تستطيع الحرب أن تمحوه.

***

*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *