“أوراق من دفتر الحرب” لسلوى جرّاح… سيرة ذاتيّة حافلة بتجارب المسقط والهجرة
محمود شريح
سلوى جرّاح، الروائيّة الفلسطينيّة (مواليد عكّا 1946، المُقيمة في لندن منذ 1977 حين انخرطت في هيئة الإذاعة البريطانيّة إعلاميّة وأديبة إلى حين تقاعدها عام 1999)، في جديدها أوراق من دفتر الحرب (لندن: للطباعة والنشر، 2026، في 204 صفحات من القطع الوسط)، تعيد النظر وتكرّ البصر في تجربتها الفلسطينيّة على مدى ثمانين عاماً، إذ تنظر إليها عبرَ عذاب أهل غزّة على مدى سنوات، فأطلقتْ روايتها هذه تعبيراً عمّا يختلجُ في صدرها ويلحّ عليه عقلُها، يوم كان أهلها مستبشرين يراقبون ما يستجدّ عليهم إثر اتفاقية أوسلو.
تقرّ سلوى جرّاح بأنّها كانت طفلة في كنف والديها قبل 1948، فأبوها في شبابه كان مهندساً في شركة النفط العراقيّة في حيفا، ثمّ انتهى المطاف بهم جميعاً إلى البصرة، وأهلها في عزّ الشباب وبهما حزن دفين لفقدان عكّا والبيت العتيق ولآل جرّاح الذين انتشروا في لبنان وسوريه والأُردن، بعد أن كانوا جيراناً في عكّا.
عن جدّتها حميدة، أمّ عادل (عادل جرّاح خرّيج أميركية بيروت عام 1945، أوّل سفير للكويت إلى موسكو) ورثتْ في طفولتها الحنين إلى عكّا، ولدى عودتها إليها بعد غياب قرابة ستّين عاماً كانت سلوى محظوظة أن كان دليلها في رحلتها د. مصلح كناعنة، الباحث في تاريخ فلسطين، الأركيولوجي واللغوي، واهتدتْ إلى بيت جدّها نجم الدين جرّاح في عكّا إذ قسّمه المحتلّ إلى أربع شقق سكنها قادمون من أُوروبه الشرقيّة، وهناك وقفتْ على حقيقة أنّ تاريخ استعمار فلسطين بدأ مع وعد بلفور عام 1917.

تقرُّ سلوى جرّاح انّها فلسطينيّة أتمّتْ عامها الرابع في البصرة وأنّها تجيدُ اللهجة العراقيّة، إلّا أنّها وجدتْ في أُسرتها، أُسرة الجرّاح، التي لم تعرفْ سوى عكّا سكناً، مثالاً حيّاً لما حدث لأهلِ فلسطين، عائلة كبيرة توزّعت على عدّة دول، فجدّتها لأُمها وخالتاها في لبنان، وخالها في الكويت وعمّها وعمّاتها في عمّان، وأخوال أبيها وأخوال أمّها في دمشق، فيما هي في العراق.
من جامعة الحكمة للآباء اليسوعيين في بغداد عام 1969 انطلقت سلوى وبيدها شهادة بكالوريوس في الأدب الإنجليزي وإجازة تدريس اللغة الإنجليزيّة فكانت مترجمة في شركة النفط العراقيّة على مدى سبع سنوات، وكانت في الثلاثين حين غادرت العراق مع زوجها ليلتحق بالجامعة في لندن، وانضمّت إلى أسرة هيئة الإذاعة البريطانيّة في قسمها العربي، لكنّها دائماً ترتدّ إلى فلسطين، فدرّستْ في جامعة بير زيت فنّ صنع البرنامج الإذاعي، وتعود بذاكرتها إلى زيارة أحمد الشقيري لأهلها في بغداد عام 1964، والشقيري له ما له في تاريخ فلسطين الحديث، وتمضي في رواية نشأة منظمة التحرير الفلسطينيّة وتتوقّف عند حرب 1967 والحقبة الناصريّة والصراع في الأردن بين النظام ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة، وتشير إلى كتاب والدها ذا النون جرّاح بلدي وأهلي وأنا وهو مبحث عن تاريخ عكّا وأُسرة الجرّاح وتفاصيل حياته صدر في دمشق عام 1997 عن دار الحصاد.
وتتطرّق الروائيّة إلى فكر إدوارد سعيد وإلى إعلان دولة فلسطين وما اعترضها من عقبات، وتتوسّع في عرض تفاصيل زيارتها لغزّة في ربيع عام 1996 فتسجّل مشاهداتها قبل أن تنتقل إلى مخاطر عهد ترامب بدءاً من 2025 وتقارن آثامه بمآثر البابا فرانسيس.
إلى مفاتيح جدّتها حميدة لمنزلها في عكّا، وإلى خالتها دعد التي عاشت في بيروت فيما بعد تخبر والدتها أنّ حكومة عموم فلسطين انتهى مفعولها وأنّ الجيوش العربيّة لم تنفعْ أهلَ فلسطين، مهدئة من روع حميدة والدتها. تستعرض سلوى تاريخ فلسطين الحديث وتؤرّخ بدقّة لثورة 1936 وما عقبها. وتتوقّف عند إنجاز زياد الرحباني وبقائه في الذاكرة الجمعيّة العربيّة. إلى الحرب على إيران وتمادي أميركا في قهر الشعوب.
واكبتْ سلوى جرّاح في أوراقها أحداث غزّة والمنطقة، ولكن تفي خالتها مريم حقّها هي التي علّمتها كيف تعبّر عن نفسها كتابة يوم كانت سلوى في العاشرة من عمرها طالبة داخلية في مدرسة في بيروت عام 1956 ومريم تنصتُ إلى المذياع ينقلُ أخبار العدوان الثلاثي على مصر فيما عبد الحليم حافظ يحتفل غناء ببناء السدّ العالي.
أوراق سلوى جرّاح بوحٌ بسيرة ذاتيّة حافلة بتجارب المسقط والهجرة بأسلوب دافئ في قالب حنين ما يمنح محتواها بُعداً إنسانيّاً يتخطّى اللحظة الراهنة إلى هناء غدٍ واعدٍ بالأمل.



