قصيدة وتعليق
سمر الخوري
ألرّيحُ أحملُها إليكَ وعُمرُ أشواقي جلبْتُهْ
وأُريقُ عطرَ الأرض بين يديكَ ها إنّي أذَبْتُهْ
من أجل هذي البسمةِ الغنّاءِ كلّي قد حجَبْتُهْ
ومشيتُ لا وجلٌ لديّ وألفُ عشقٍ ما ندبتُهْ
وكتبتُ دين هواكَ مِن إشراقةِ الرّؤيا سلبْتُهْ
ألبحرُ يَشهقُ حول دائرة الرّصيف لِما كتبْتُهْ
فدَّيْتُ دمعَ الوجنتين ارحمْ دموعيَ إذْ أصَبتُهْ
لسمائك العليا نذرتُ مواجعي ودمي سكبتُهْ
أيُّ الشراب على الشفاه أنا بلا وعيٍ شربتُهْ
عصفَ الشتاءُ وإنّني بهَوى قميصِكَ قد غلبْتُهْ.
يسرى البيطار: منازل العشق

دائرة العشق
منازل العشق ديوان جديد للشاعرة يسرى بيطار. وعشق الشاعرة صوفي بامتياز، فيه المنازل سبع أولها الطلب.فيه الجذبات والسكرات والجذوات. ناره تحرق أعماق الشاعرة، وتنقلها من الحبيب الأرضي، إلى حبيب مجهول، إلى أعلى المنازل وهو عشق الله.
منازل العشق في قاموس الشاعرة البيطار تتجاوز القواعد الأربعين، تصبح بلا قواعد، فوضوية أحيانا كأنها مرايا الذات.
عنوان الديوان ليس بجديد، فقد صدرت مجموعة قصصية بالعنوان نفسه للشاعرة والقاصة المصرية ندى إمام عبد الواحد، عام 2011.
وفي الأدب الصوفي يقول جلال الدين الرومي، في كتابه”كل يوم”:
في منازل العشق
سترى الشيوخ يعودون شبابا
مرة تلو الأخرى
ويتكرر العنوان في القصيدة الولائية التي تحمل الاسم نفسه، وتقول:
ما العشق الا ارتقاء الروح مرتبة
تسمو فيغدو سليل الطين إنسانا
فما هي منازل الشاعرة البيطار؟ وإلى أي حد تفرّدت الشاعرة في قصائد ديوانها ؟
تقول الشاعرة البيطار في ديوان سابق، نشرته عام ٢٠١٦:
من أجل عينيك الهوى والمستحيل
وأدور حولك كالكواكب
كلما زاد الدوار أدور أكثر
لا أملّ ولا أشيخ
سوى بأني قد أذوب..وقد
أنام ..وقد أسيل
وهي اليوم ، في منازل عشقها الجديد، تعاود الذوبان عشقا وهياما، وتكاد من المحبة تسقط. فمن عساه يكون هذا الحبيب؟

ولِمَ الوجد والهيام إلى درجة الامحاء؟
إنه نداء المستحيل يراودها عن أحاسيسها المتفجرة عشقا صوفيًّا بلا خفر أو خجل. هي حال الحلولية التي جعلت الشاعر الصوفي الحلاج يقول: أنا الحق و ما فى الجبّة إلاّ اللّه من فرط المحبّة و شدّة الوجد.
وليس في جبة الشاعرة البيطار الا الحبيب/الشعر/النغم.
منازل العشق كثيرة، يا صديقتي. وعشق القصيد إحدى مراتبها.
الريح أول منزل تشيّده هذه القصيدة. إنها ريح الشوق تهديها لحبيب / ضمير غائب لا مرجعية له. يتمثل أحيانا أمام ناظريها، كومضة عشق، ثم يغيب. (https://uniforumtz.com) تصبح الشاعرة أشبه بالمرأة الخاطئة تضمّخ بالطيب قدمي الرب، وبالدموع، ثم تمسحهما بشعرها. وهي قد اخترقت الجموع بلا وجل أو رهبة.
والمنزل الثاني هو الرؤيا، رؤيا دين العشق الذي يختلج في الصدر، ثم يحتجب، إلهًا مجهولا، مقرّه سماء الفكر والشوق والحلم.
والمنزل الثالث هو البحر في عمقه والاتساع، بحر من الصبابة والجوى والكتابة. دائرته الرصيف، والشاطئ الفضي، والحنين، تخطّها الدموع والدماء، في سماء تشكّل المنزل الرابع المشتهى كالعناق دونه وجع الفراق، والندم.

أما المنزل الخامس فهو السكر، بعد الشراب الذي تداوت به منه في صحوها اللاوعي والخدر، قبل أن تستكين في منزل جبة الحلاج، في قميص الحبيب، تحتمي به من عواصف الشتاء، كي تنقذ الشعلة القدسية، من براثن العدم.
منازل العشق ستة، سابعها العنوان/ القصيدة تكتمل بهما دائرة الصمت والكلم. فتغدو الريح راحا، والأماني جراحا، ودائرة العشق حلقة صوفية تتلظى بها الشاعرة بحثًا عن دوار جديد، يضوع به الصحو لذّة بلا ألم.
في قصيدتك ، صديقتي، كما في عنوان ديوانك امتدادان: عموديًّا نحو الله عبر السماء، وأفقيًّا باتجاه البشر عبر البحر. وفي هذين الامتدادين يتشكل صليب الشاعرة يسرى البيطار. صليب ألم وعذاب هو، ولكنه يحمل في بعده اللامتناهي رمز الفداء والخلاص، وتباشير الصحو والقيامة، بعد عواصف الشتاء والقلم.
مبارك ديوانك البريد، عشقك الصوفي المريد، وإلى ذوبان جديد، بهيّ، في بركان الشعر/ العشق الإلهي، منبع النعم.



