سجلوا عندكم

 د. مصطفى الحلوة قارئًا “لبنان والحياد الفاعل” للبروفسور فيليب سالم 

Views: 78

د. مصطفى الحلوة  

تعرّفتُ إلى البروفسور فيليب سالم، منذ سنوات عشر، وتحديدًا يوم الأربعاء في العشرين من تموز 2016، في “مركز الصفدي الثقافي”، طرابلس، حيثُ نُظِّمت ندوة حواريّة تفاعليّة، بدعوة مشتركة من “جمعية الصفدي الثقافية” وجامعة البلمند، وكان المحاضر الوحيد فيها البروفسور سالم، حول ” دور الجامعة في صُنع عالم عربيّ جديد”. وقد حفّزتني تلك الندوة على مواكبة مسيرته، إذْ أسفر، يومها وفي السنوات التي تلت، عن داعيةٍ إلى قيم الحقّ والخير والجمال. بل شفَّ عن جبرانٍ ثانٍ، يتنكَّبُ رسالة، تتعدّى المحلِّي إلى العالمي، يُخاطبُ العالم قاطبةً، ويتوجَّهُ إلى مجتمعاتنا العربيّة “المسرطنة” : طائفيًّا، ومذهبيًّا وقبليًّا وإثنيًّا، وإلى آخر الانتماءات الضيقة – في عِدادها بالطبع المجتمع اللبناني- راسمًا لها طريق الخلاص الناجز.

بيدَ أن ما يُميزّه عن سائر الدُعاة والمبشِّرين مجانبته “الخطابيّة”        و”الشعاراتيّة” والتوظيف الإيديولوجي. فهو رجل علم، يتصدّى لقضايا المجتمع تصدِّي الطبيب فائق القُدرة والخبرة، الذي يُشخِّص المرض خير تشخيص، ويتقرّى أسبابه وخلفيّاتِه ودرجة استفحاله، ليصف العلاج الشافي. 

 

وإلى ذلك، فإنّ البروفسور سالم يتوسّل، في خطابه، لغة عامرةً بالمحبّة، وهي ميزة رسوليّةٌ، بل من لزوم ما يلزم لأيّ دعوة، تُخاطب الإنسانية! 

أَوَلَم يتوجّه الله إلى النبي محمد، محدِّدًا له اللغة، التي ينبغي أن يعتمدها والوجه الذي يجبُ أن يُطِلَّ به، وهو يُبلّغ رسالته: “ولو كنت فظًّا، غليظ القلب لانفضّوا من حولك” (سورة آل عمران / الآية 159)؟ 

وأَلَمْ يأتِنا السيّد المسيح، بأبهى مقولات المسيحيّة “الله محبّة”، وهي فاتحةُ كلِّ قول؟

ولقد آنستُ في البروفسور سالم ذلك المنتصر لحرّية الإنسان. ففي واقعةٍ، استعرضتُها في قراءتي أطروحة الحياد الفاعل لديه، توقفتُ عند إطاحتِهِ أحد الأقوال المأثورة، الذي يُردّده الكثيرون ببّغائيًّا: “من علّمني حرفًا كنتُ له عبدًا”، فإذا البديلُ منه، عند سالم : “مَنْ علّمني حرفًا حرّرني من عبوديتي!”. وقد جاء هذا الكلام، في معرض تحديد علاقتِه بأستاذِهِ الشاعر الراحل نعيم خوري، الذي عمل على تجويد لغة سالم العربية، وهو حَدَثٌ، في قريته بطرّام، خمسينيّات القرن الماضي.

 

… وإذْ نُعرِّج على الكتاب، الذي ننتدي حوله، هذه العشيّة، فقد توزّع موادَه قسمان: يدور القسم الأول حول الحياد الفاعل. فإلى التقديم، بقلم سالم، والتوطئة المُسهبة بقلم مُعدّ الكتاب الإعلامي أسعد خوري، ضمّ هذا القسم إحدى عشرة مقالة أو مقاربة، أضاءت، بأقلام باحثين مرموقين، على أطروحة الحياد الفاعل، من جوانب مختلفة. أما القسم الثاني، فاقتُصِرَ على مقالات للبروفسور سالم، بلغت إحدى وعشرين، أحاطت إحاطة شبه شاملة برؤاه الفكرية ونظراته الاستشرافيّة .

وإذْ  نتوقّفُ عند قراءتنا المتواضعة أطروحة الحياد الفاعل، لدى البروفسور سالم ، نجدُنا إزاء النقاط الآتية: 

أولاً- ريادة البروفسور سالم، في تطارح نظرية الحياد الفاعل، بما يخصّ لبنان، إذْ ناضل في سبيلها، منذ العام 2008، ودعا لها، في المئات من فعاليّاته (محاضرات، وندوات، وحوارات تفاعلية..)، كما في كتاباته “التنظيريّة”، كعلاج للحالة اللبنانية، شديدة التردِّي، على صُعُدٍ مُتعدِّدة. علمًا أن معظم الأصوات، التي راحت، منذ ذلك التاريخ، تُروِّج للحياد الإيجابي أو النأي بالنفس، كانت عيالاً عليه، ولكنها لم تبلغ مبلغَه . 

ثانيًا- السِمة المنهجية الأكاديمية، طبعت مقاربة البروفسور سالم، حول الحياد الفاعل. فقد اعتمد الدقة، في تحديد المفاهيم والمصطلحات، وتتبّع مسارها التاريخي، من منطلق اقتناع لديه بأن أي بحث، لا يُضبط جهازه المفاهيمي بدقة، يبقى عُرضةً للغموض والتناقض، مهما بدا غنيًّا، على مستوى الأفكار. وهذا يعني بأنّ تحديد المصطلحات والمفاهيم هو جزء من عمليّة التفكير ذاتها. وإلى ذلك، فإنّ تحليل المفاهيم، بوصفها نتاجات تاريخيّة، بحسب منهج الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (Michel Foucault) ، في كتابه “اركيولوجيا المعرفة” (L`archéologie du savoir) ، تتغيّر وفق أنساق الخطاب.

 

ثالثًا – في الحياد، الحياد الإيجابي، الحياد الفاعل والنأي بالنفس؟ إن هذه المفاهيم الأربعة، وإن كانت تتقاطع مع بعضها بعضًا، بحدود معيّنة، إلاّ أن ثمّة فروقات جوهريّة فيما بينها، مما يقتضي الإضاءة على كل منها، كي نكون أمام دراسة ذات سمة منهجيّة خالصة. 

أ- الحياد ، اصطلاحًا، من دون توصيف، يعني سياسيًّا، تبنِّي دولة ما موقفًا، يُبعدها عن التكتّلات وعن النزاعات، وتجنيب الأرض والشعب مختلف الاحتمالات الناجمة غالبًا عن الصراعات المسلّحة. علمًا أن مصطلح الحياد ظهر، لأوّل مرة، في القرن الرابع عشر. وكان الفقيه الهولندي هيوغوغروشيوس (Hugo Grotios) (1583- 1645). في القرن السابع عشر، قد أشار إلى إمكان التزام دولة ما الحياد، في حالة نزاع مسلّح.

ب- وعن الحياد الإيجابي، فهو كما يُحدِّده، المشتغلون بالعلم الدستوري، نظامٌ قانوني، يُؤدّي إلى إيجاد قاعدة ارتكاز، تُحقِّق التوازن، من خلال عدم الانزلاق، في حدّة الصراع بين كتلتين أو محورين دوليين، في حالة مواجهة.

وقد نشأت فكرة الحياد الإيجابي، كظاهرة سياسية، بعد أن كابد العالم ويلات الحرب العالميّة الثانية (1939- 1945)، ودخل في مرحلة الحرب الباردة بين الجبّارين : المعسكر الليبرالي الغربي، بقيادة أمريكا، والمعسكر الاشتراكي، بقيادة الاتحاد السوفياتي السابق.

 

ج- أما الحياد الفاعل، فهو مفهوم سياسي وأخلاقي (نُشدِّد على السِمة الأخلاقيّة)، لا يعني السلبيّة أو الانعزال، بل اتخاذ موقف مُحايد، بوعي ونشاط، لتعزيز القيم والوساطة والسلام في النزاعات، مع التزام الموضوعيّة، في مقاربة الأسباب والنتائج.

علمًا أن الحياد الفاعل، كمصطلح سياسي، ارتبط بحركة عدم الانحياز، التي قادها الزعماء الثلاثة : جواهر لال نهرو (الهند). وجمال عبد الناصر (مصر)، وجوزف بروز تيتو (يوغسلافيا السابقة). 

وإذا نروح إلى الحياد الفاعل، من منظور فلسفي، وعمدتنا، في هذا المجال، التصوّر الكانطي للسلام، عبر كتاب “مشروع للسلام الدائم” (1795م)، نرى أن الفيلسوف كانط، لا يدعو إلى حياد، بالمعنى السلبي، بل إلى جمهوريات دستورية، واتحاد فيدرالي بين الدول، وخضوع العلاقات الدوليّة للقانون.

إشارة إلى أنّ كانط يرى إلى الحياد، كواجب أخلاقي، من تجلّياته: احترام كرامة الإنسان، ومنع استخدام البشر، كوسائل. بل إنّ الحياد، في عُرفه، يكون أخلاقيًّا إذا لم يُشرعن العدوان، ولم يسمح بانتهاك حقوق الإنسان.

د- أما عن النأي بالنفس، الذي تمّ الترويج له في لبنان، إبّان ولاية رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، فقد أسفر عما يُسمّى “إعلان بعبدا” (2012)، الذي شكّل، حسبما نرى، حالة زاوجت بين الحياد والنأي بالنفس.

هذا الإعلان، الذي حظِيَ بموافقة كل الأطراف اللبنانية السياسية المتحاورة، عهد ذاك، وتمّ التوقيع عليه، أُجهض قبل أن يرى النور، عبر الموقف المشتهر لرئيس “كتلة الوفاء للمقاومة” النائب الحاج محمد رعد، حيث أطلق قولته: “بلّوه واشربوا ميتوا” (أي مياهه).

 

رابعًا- حول أطروحة الحياد الفاعل في لبنان التي يُبشَّر بها البروفسور سالم: 

حتى يكون حيادٌ فاعل في لبنان، نضع برسمنا وبرسم البروفسور سالم الأسئلة الآتية: هل الحياد، بمعزلٍ عن توصيفِهِ، أإِيجابيًّا كان أم فاعلاً أم نأيًا بالنفس، هو قرار سياسي فحسب، أم يقتضي، كشرط لازم، إعادة تأسيس لفكرة الدولة نفسها؟ واستطرادًا، هل لبنان، اليوم، كيانٌ سياسيٌّ متماسك، حتى يُقدَّر له سلوك طريق الحياد؟ ألم نَرَ أن عبارة واحدة، أطلقها النائب الحاج محمد رعد – كما أسلفنا- في عزّ فائض قوة “حزب الله” كانت كافية لإجهاض (إعلان بعبدا)، الداعي إلى حيادٍ، قد لا يُرضي طموح البروفسور سالم، الذي لا يرضى بديلاً من الحياد الفاعل؟!

إنّ لبنان، خلال السنين الأربعين الماضية، لم يكن باسطًا سيادة الدولة على جميع أراضيه، ولا مالكًا قراره الحرّ خارجيًّا، ولا قرار السلم والحرب، ولا مُحتكرًا القوة العسكرية، وسوى ذلك من عناصر، هي من مستلزمات تكوين الدول.

وإلى ذلك، لطالما كان لبنان جزءًا من توازنات إقليميّة، يتأثّر بصراعات الشرق الأوسط، وفي مقدّمها القضيّة الفلسطينيّة، ويُستخدم كساحةٍ وكبريدٍ، لتبادل رسائل إقليميّة. 

أَضِفْ، لجهة، المعوِّقات، أنّ العدالة الداخلية، شرطٌ للمشروعيّة الخارجيّة، بمعنى أنّ الدول غير العادلة داخليًّا، يصعب أن تكون محايدة أخلاقيًّا، على الصعيد الخارجي. ويبقى السؤال: هل لبنان دولة عادلة، تُجاه غالبية الشرائح المجتمعيّة ؟

هذه المعوِّقات جميعها- إلى معوّقات شتى أعرضنا عن ذكرها- لم تكن غائبةً عن البروفسور فيليب سالم، وهو يدعو دعوةً خالصةً إلى “الحياد الفاعل”. فقد توقّف عندها مليًّا، وبجرأة مُتناهية، في مؤلّفاته وعبر مواقفه المتعدِّدة.

خاتمة : الأولويّة لإعادة تأسيس الدولة ، مع الإبقاء على التبشير بالحياد الفاعل: 

تأسيسًا على ما استعرضنا، حول واقع الدولة اللبنانية، التي تُصارع اليوم، في ظلّ العهد الجديد، حول حصريّة السلاح بيدها وامتلاك قرارها الحرّ، بما يُحقّق عودة الدولة إلى الدولة، وريثما تقوم دولة المواطنة، دولة القانون والمؤسّسات، دولة تفصل بين الدين والتربية، كما يشتهي البروفسور سالم، دولة تُسقط هذه المقولة: “تديين السياسة وتسييس الدين”، وفق المفكّر أدونيس، لن تكون الطريق مُعبّدة للحياد الفاعل، لبنانيًّا.

عند تحقيق هذه الأهداف – وقد يستغرق ذلك سنوات – يتم الانتقال إلى أولويات أخرى، في رأسها النضال من أجل الحياد الفاعل، مع التأكيد على أهمية التبشير به، أمس واليوم وفي الغد، لتكريسه في واعية ولا واعية الأجيال الطالعة، بما يُوفِّر مُناخًا عامًا، لتقبُّل هذا الطرح، وتحويله – وفق لغتنا الفلسفية- من حالة القوّة إلى حالة الفعل!

***

*  ألقيت في فيلوكاليا، دير سيدة الزيارة، في عينطورة، في ندوة حول كتاب البروفسور فيليب سالم ” لبنان والحياد الفاعل”. وقد شارك فيها مُداخلًا أيضًا الوزير السابق للتربية الدكتور عبّاس الحلبي، والوزير الاسبق للداخلية الأستاذ زياد بارود زياد، والدكتور رائد شرف الدين. وقد كانت كلمة إفتتاحية ترحيبيّة للقيّمة على هذا الدير الرائع الاخت مارانا سعد. وأدار الندوة الدكتور سهيل مطر. وكان حضور نوعي، أتى من مختلف مناطق لبنان. وكان تعقيبان في ختام الندوة للمونسونيور علوان، وللمفتي الشيخ الدكتور مالك الشعار.

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *