سجلوا عندكم

بيروت… تجاعيدُ ونضارةٌ

Views: 62

د. محمد إقبال حرب

خَيالاتُ الذَّاكرةِ تُراكمُ سِحرَ بيروت وحُزنَها بعدما سألني صديقي المصري عن بيروت. أتُراه يسألُ عن بيروت اليوم أم عن تاريخِها؟

لا يهمُّ، فبيروت شابّةٌ رُغمَ مرور آلاف السنين عليها، تتجاوزُ تجاعيدَ الحقباتِ الصَّعبةِ بنضارةِ الإصرارِ على البقاءِ والتحدّي. تتألَّقُ، تتوهَّجُ، تُهدَمُ، تُبنى من جديد وابتسامتُها النضرة لا تخبو. لا يهمُّ إن كانت أجملَ مُدنِ البحر الأبيض المتوسط أم لا، أو أنظفَها وأكثرَها تنظيمًا. كلُّ ما فيها غريبٌ، وتُقنعُ الغُرباء أنها ليست كذلك. تترنَّحُ، تتهدَّمُ، تُلطِّخُها الدِّماءُ، تَصُمُّها أصواتُ الغُزاة، دويُّ المدافِع والانفجارات، تُبلِّلُها دماء الحُروب، مع ذلك  تُقنعُ أبناءها أنَّ الغَد يستحقُّ أن يُعاش وأنَّ الفناءَ كلمةٌ لا يعرِفُها أبناءُ الحياة.

“مدينةُ الشَّرائع ومُرضِعةُ العلوم”، لقبٌ أطلقَه عليها الإمبراطور الروماني جوستنيان، تقديرًا لتألُّقها في تدريس الحُقوق بدءًا من 200 ق.م إلى أن حدثَ الزِّلزال العظيمُ سنة 500 ب.م الذي دمّرها، أبت إلّا أن تُعيدَ اسمَها القديمَ الذي جال بين “بيريت، بيريتيوس، باروت” …

 إنها بيروت العريقةُ، مدينةٌ جعلت من التناقُضاتِ قانونَها الأزلي، كيف لا وقد عشتُها حتى الثمالة. في شارع واحد تسمعُ صوت فيروز ينسابُ من شُرفةٍ قديمةٍ، بينما يهدُرُ مُولّدٌ كهربائيٌّ في الطابق السُّفلي معلنًا عجزَ الدولة، ويقطَعُ صهريجُ ماء طريقًا عامًا، لتأمين مياه الشُّرب لشِقَّة لا تستطيعُ العيشَ بَعلًا.

على بُعدِ خطوات يجلِسُ شاعرٌ مُفلِّسٌ في المقهى نفسِه الذي يحتسي فيه مَصرِفي قهوتَه قبل اجتماعٍ يتمحور حول ملايين الدولارات. لم يرَ أحدٌ في ذلك فضيحة؛ إنه سِرُّ البقاء.

إذا لم ترضَ عن بيروت انتظر قليلًا، حالُها يتبدّل كلّ يوم ، تُخاطبُ أصنافَ البشرِ بدهشة تارةً، وأخرى بصَدمة. تستعيدُ الحياةُ زخمَها مع كلّ اختلاف تمرُّ به بيروت عبر حقبات الزمن. خمسُ طبقاتٍ من هذه المدينة شُيِّدت على مرّ العُصور، حضاراتٌ مُتراكمةٌ، بهاءٌ يجعلُها صبيَّةً دائمةً، حتى تجاعيدُ الزمن تُشاركُ في تجميلِها. آثارٌ فينيقيَّةٌ كنعانيَّةٌ تتنفَّسُها بيروت، هيلينية تزيِّنُ جيدَها. تراكُماتٌ رومانيَّةٌ وبيزنطيَّةٌ وعربيَّةٌ تُفاخر بأنها وجَدت في حِضنِ بيروت موطنًا لها.

كان الشَّابُ القادِمُ من البعيد في منتصف القرن العشرين، منبهرًا، شَعرَ بعبقٍ حضاري لم يعهده مُذ رآها تغمِزُ له وهو ينحدرُ من الجبل. مدينةٌ في حِضنِ البحرِ، سماؤها صافيةٌ، عالمٌ مُختلفٌ يُشبهُ قِصصَ ألف ليلة وليلة. ما أن وصلَ إلى المحطَّةِ الأخيرةِ في ساحةِ البُرج حتى أذهلَه الكمُّ الكبير من الناس الذين يُلفِتون بأناقتهم واختلافهم.  خليطُ شعبٍ أصيلٍ وغُرباءَ تأصَّلوا، وزوّار من كلِّ حَدب وصَوب. فِراستُه تاهت بين التناقُضات في الأزياء والأشكال حتّى ظنَّ أنه في عالمٍ غريب،  وأنَّ تلك الشابَّة الأنيقةَ العصريَّةَ هبطت وحيدةً من كوكبٍ آخر.

عندما حقّق النظرَ في وجوه البشر أدهشته فرادةُ كُلٍّ منها. ذاك الشابُ يحملُ كتابًا، وتلك الفتاةُ تكتبُ رسالةَ حُبٍّ قد يستغرقُ وصولُها أيامًا، فتظلُّ الكلماتُ ساخنةً لأنها وُلدت من الانتظار، لا من ضغطِ زِرّ. كان الموعدُ حدثًا، واللِّقاءُ عيدًا صغيرًا، والغيابُ مساحةً يملؤها الخَيالُ لا الإشعاراتُ… وأصبح ابنُ القرية في حضانة بيروت… بيروتيًّا.

كانت المقاهي جامعاتٍ غير رسميَّة. على الطاولاتِ الخشبيَّةِ تُناقَشُ الفلسفةُ والماركسيَّةُ والوجوديَّةُ، ويُحلَّلُ آخرُ فيلم، وتُكتبُ قصيدةٌ، ويولدُ حِزبٌ، وتنتهي قِصَّةُ حُبٍّ. لم تكن الأفكارُ تُستهلكُ بل تُعاشُ، والخِلافُ الفكري علامةُ صِحّةٍ، لا إعلانَ حربٍ.

لم يخلُد أهلُ بيروت للنوم باكرًا ليندُبوا حربًا، أو ضائقةً اقتصادية مستمرةً. لم يكُن اللَّيلُ وقتًا للنسيان، بل وقتًا لليقظة. كانت المدينةُ تستبدلُ شمسَها بالأضواءِ، وتُتابعُ حياتها كأن الظَّلام مُجرَّد اقتراحٍ لا يُلزمُ أحدًا. الموسيقى تتسرَّبُ من الحانات، والمسرحُ يفتحُ أبوابَه، والمعارضُ تستقبلُ زوَّارَها، والبحرُ هناك، يُراقبُ الجميعَ بحِكمةٍ قديمةٍ، كأنه يعرفُ أنَّ المُدنَ التي تعشقُ الحياة تُجبَرُ على دفع أثمان باهظةٍ أيضًا.

ولعلَّ أجملَ ما في شبابِ تلك المرحلةِ أنَّهم لم يعرِفوا أنهم يعيشون زمنًا استثنائيًّا. إنها مأساةُ اللَّحظاتِ الجميلةِ؛ لا تُعلِنُ عن نفسِها إلا بعدَ رحيلِها.

وبدأت مرحلةٌ جديدةٌ، كسجلٍّ أطبقَ على قصيدةٍ لم تكتمِل. عافها الشَّاعرُ في مُنتصف السبعينيَّات ونام تحت رُكام منزلِه. لم يصحُ قط.

خلال كابوس الحرب الأهليَّة، إلى اليوم، يشتكي اللُّبناني من كلّ شيء: السِّياسة، الكهرباء، الأسعار، الزُّعماء، الحُروب السابقة، الحُروب المُقبلة… لكنه في مطلع كلّ صباح يفتحُ متجره، ويذهبُ إلى جامعتِه، ويقع في الحُبّ. يُخطِّطُ للسَّفر، ثم يعودُ ليؤكِّدَ أنَّ لا مدينةَ تُشبهُ بيروت، كأنَّ المدينةَ ربّت أبناءها على فلسفةٍ غير مكتوبة: “لا تنتظر أن تتحسَّنَ الحياة كي تعيشها. عِشها كما هي”. لم يسأل الناسُ لماذا، بل عاشوا الحياة وما زالوا يتألّقون رُغم كلّ المعاناة والمآسي. بيروت لم تُخبرهم أنهم يعيشون فترة استثنائيَّة تعُجُّ بالحركة والعطاء، بالتلاحُم الثقافي وصراع الإيديولوجيَّات الذي أفرز جيلًا مُثقفًا لم تعرفه المدينة من قبل.

عدتُ إليها كهلًا، بعد حرب أهليّة شابت من وهلِها جدائلُ بيروت. تغشى بشرتَها تجاعيدُ حربٍ ضروسٍ جمَّلتها أبنيةٌ عصريَّةٌ على رُكام تاريخٍ عريق. ساحةُ البُرج خضعَت لعمليَّةِ تَجميل شوَّهتها كما شوَّهت أماكنَ كَثيرةً، كصبيَّة جميلةٍ تعرَّضت للضرب مرارًا من سِكّير، لكنها لم تفقِد غرابتَها، سِحرَها.

 ما زال المسجدُ والكنيسةُ وما حولهما جارين ودودين يفترشان بِساطَ الدَّهشة. إنها حقبةُ احتراقِ طائرِ الفينيق، الانتقالِ إلى ولادةٍ جديدةٍ فوقَ رمادِ الأشلاءِ. أدركتُ أنها وُلدت لتحيا بعد كلَ فناء، لتبقى.

يبدو الجيلُ الجديدُ مُختلفًا، لكن رُغم غُربتِه عمّا كان “أيام زمان” ما زال مُبعثرًا، حيويًا، كما جيلَنا السَّابِق رغم كلّ الاختلافات. متسوّلٌ على الرصيف ينتظرُ مانحًا، يسترقُّ النظر إلى صبيَّة تتوهَّجُ جمالًا. تتوقَّفُ إلى جانبه سيَّارةٌ فارهة، ليشتري صاحِبُها  عسلًا بلديًّا من بائع مُتجوّل يحضُرُ من قريتِه البعيدةِ، في الصباح الباكر، كلّ يوم، عارضًا نتاجَه الجامعَ للأصيل والمغشوش.

في المقاهي المُتراميةِ، لهجاتٌ ولكناتٌ ولُغات تشكّلُ موسيقى إنسانيَّةً لا تجدُها في أيّ مكان آخر. لا يعرف الروّادُ بعضَهم بعضًا، لكنهم يتحدّثون، يضحكون، ويغضَبون عندما يتذكَّرون نهبَ ثرواتهم المُمنهج. الكاتبُ، والثريُّ، والمومِسُ في المكانِ نفسِه، عوالمُهم الخاصَّةُ تبوحُ لبيروت. ما زالت الثقافةُ تُشكّلُ جزءًا أصيلًا من بيروت، ما زالت حريّةُ الكلمةُ والفِكرُ تتوهَّجُ في بيروت رُغمَ ضغطِ التكنولوجيا وزيادةِ المُغريات وشوائبِ الحضارة.

أدركتُ أنَّ سِحرَ بيروت الأزلي لم يكُن في موقعها، مبانيها، أسواقِها بل في شبابها الدائم الذي يعود إلى الحياة، بعد كل دمار، بحُلَّة جديدة لجسد أزلي، لأن حُبَّ المُغامرةِ، والقُدرةَ على الرَّقصِ والغِناءِ في أحلكِ الأوقاتِ، قدرُ مَن عاش وترعرع فيها.

ما زالت بيروت قادرةً على إقناعكَ بأنها مميزةٌ بشعبِها وأرضِها وثقافتِها. لأنّها هي الأصلُ، وكلُّ من حاولَ تقليدَها عاد إليها مُستغفِرًا.

***

*نشرت في مجلة “البعد الخامس” العدد 24 آب أغسطس 2026.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *